Jfhr

موسوعة السيرة الشريفة ف 42 : : الحرب النفسية والاعلامية ضد الرسول صلى الله عليه وسلم

  • أسْرَار السَيرَةِ الشَرِيفَة- منهج حياة  

    الجُزْءُ الثَالِث: مِنْ نُزُول الوَحْي حَتَى الهِجْرَة (مَرْحَلَة الدَعْوَة المَكِيَة)

    الفصل الثاني والأربعون

    *********************************

    الحرب النفسية والإعلامية ضد الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-

    "أبو لهب" و"أم جميل"

    كان أكثر ما جرأ قريش على الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هو عمه أبو لهب، وزوجته أم جميل، ولذلك الوحيد من صناديد قريش الذي ذمه القرآن العظيم بالإسم هو "أبو لهب" لأنه أول من جرأ قريش على الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-

    فكان الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اذا مشي يدعو الناس، يمشي "أبو لهب" خلفه، ويقول لهم: لا تصدقوه هذا مجنون، إنه ابن أخي وأنا أعرف به، فيقول الناس: دعوه فان عمه أدري به

    كان "أبو لهب" يمشى خلف الرسول ويقول: لا تصدقوه هذا مجنون

    وكانت زوجة أبي لهب وكنيتها "أم جميل" واسمها "أروي بنت حرب" من أشراف قريش، وهي أخت "أبو سفيان بن حرب" وهو سيد بنى أمية، وكانت امرأة سليطة اللسان، سيئة الخلق، وكانت هي أيضًا شديدة العدواة للرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فكانت تحمل الأشواك والقمامة، وتلقيه أمام بيت النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  فكان -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  اذا خرج من بيته لا يزيد أن يقول: يا معشر قريش أي جوار هذا ؟ 

    كانت "أم جميل" امرأة سليطة اللسان، سيئة الخلق

    حتى نزل فيها قول الله تعالى في سورة المسد ((وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ)) لأنها كانت –كما ذكرنا- تحمل أغصان الأشواك وتلقيها في طريق النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولأنها كانت تمشي بين سادات قريش وتؤلبهم على الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وتؤجج نار الفتنة ((فِي جِيدهَا حَبْل مِنْ مَسَد)) أي في عنقها حبل من نار

    وتسمع "أم جميل" هذه الآيات فتستشيط غضبًا، وتحمل حجر في يدها، وتخرج تهرول وهي تصيح: أين محمد ؟ وتقسم أن تضرب بهذا الحجر فاه النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حتى جاءت الى الكعبة، وكان الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جالسًا عند الكعبة مع أبو بكر، فأعمى الله تعالى بصرها، ورأت أبو بكر ولم ترَ الرسول-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقالت: يا أبا بكر، أين صاحبك ؟ فقد بلغنى أنه يهجوني، فوالله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه، والله اني لشاعرة:

    مذمما عصينا، ودينه قلينا، وأمره أبينا

    ثم انصرفت، فقال أبو بكر: يا رسول الله، أما تراها رأتك، فقال الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ما رأتني، لقد أخذ الله بصرها عنى

    وأعجب شعر أم جميل قريش، فأخذت تردده في وجه النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأخذ الجميع يناديه باسم "مذمم" بدلًا من "محمد"

    وكان هذا يؤذي الصحابة جدًا، فكان الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول:

    -        ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم ‏ ‏قريش ‏‏ولعنهم، يشتمون ‏‏مذمما ‏ويلعنون ‏ ‏مذمما ‏ ‏وأنا ‏ ‏محمد ‏

    وهذا درس لكل داعية أن يترفع عن الصغائر

    *********************************

    سخرية قريش من الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-

    وهكذا كانت قريش لا تكف عن السخرية والاستهزاء بالرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بهدف تشويه صورة النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وحتى تهز الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نفسيًا، وتبعده عن تركيزه في الدعوة

    فكان الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اذا مر من طريق تشير اليه قريش وتقول: هذا هو المجنون، وكانوا –كما ذكرنا- ينادونه ويقولون مذمم بدلًا من محمد

    كان الرسول اذا مر من طريق تشير اليه قريش وتقول: هذا هو المجنون

    وكان الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اذا جلس حوله بعض فقراء المسلمين، يشيرون اليهم بسخرية ويقولون: أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا، يقول تعالى ((وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا  أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ))

    وكان الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في دعوته لقريش يقول: قولوا كلمة واحدة -لا إله إلا الله، محمد رسول الله- تملكوا بها العرب والعجم، فكانت قريش تسخر من فقراء المسلمين ومستضعفيهم ويقولون: هؤلاء هم ملوك الأرض

    *********************************

    محاولة قريش احراج الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وفشلها في ذلك

    حدث مرة أن أكل "عمرو بن هشام" أبو جهل مال رجل أعرابي، فذهب هذا الرجل الى سادة قريش يطلب منهم أن يساعدوه، فسخرت قريش من هذا الأعرابي، وجلسوا يضحكون، ثم أرادت قريش أن تسخر من الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأن تحرجه، فأشاروا على هذا الأعرابي أن يذهب الى الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقالوا له هذا الرجل صديق أبا الحكم، وسيأتي لك بمالك، فذهب الرجل الى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فانطلق به الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الى بيت أبو جهل، وناس من قريش تسير خلفهما حتى يشاهدوا ما سيحدث ويضحكون

    طرق النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الباب، وفتح ابو جهل ، فقال له النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أأخذت من هذا الرجل مالًا ؟ قال: نعم، قال رد عليه ماله، قال أبو جهل انتظر، ودخل الي بيته ورد الى الأعرابي كل ماله، ثم انصرف الأعرابي، وانصرف الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-

    وذهبت قريش الى أبو جهل تقول له: ماذا فعلت، فقال أبو جهل: والله رأيت خلف محمد فحل إبل لو لم أؤت الرجل ماله لأكلني! (الفحل هو الذكر القوي من كل حيوان)

    *********************************

    وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ

    واستمر الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقف يصلى عند الكعبة، ويقرأ القرآن ويرفع صوته بالقراءة حتى تسمع قريش القرآن، فتسب قريش الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وتسب القرآن، وتسب الله تعالى، فنزل قول الله تعالى ((وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً)) يعنى لا ترفع صوتك بالقراءة حتى لا يسمع المشركون القرآن ويستفزهم هذا ويسبون القرآن، و"وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً" يعنى ولا تخفض صوتك، بحيث الذي يريد سماع القرآن يستطيع أن يقترب منك، ويستمع للقرآن

    قريش تتفق على رأي واحد في الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-

    واقترب موسم الحج، وكان الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يستغل موسم الحج في عرض الاسلام على القبائل العربية التى تأتي للحج، فاجتمعت قريش لتبحث هذا الأمر، وتري كيف تفسد على الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دعوته للقبائل التى تأتي من أنحاء الجزيرة

    تحدث "الوليد بن المغيرة" وهو أحد قادة قريش، وأغنى أغنيائها، وهو والد "خالد بن الوليد"  وقال: يا معشر قريش انه حضر هذا الموسم، وان وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فاجمعوا فيه رأياً واحداً ولا تختلفوا، فيكذب بعضكم بعضاً ويرد قولكم بعضه بعضاً، قالوا: فَأَنْتَ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ ! فَقُلْ وَأَقِمْ رَأَيًا نَقُومُ بِهِ

    قال الوليد: اجمعوا فيه رأياً واحداً ولا تختلفوا، فيكذب بعضكم بعضاً

    فَقَالَ: بَلْ أَنْتُمْ  فَقُولُوا أَسْمَعُ، فَقَالُوا: نَقُولُ كَاهِنٌ، فَقَالَ: مَا هُوَ بِكَاهِنٍ، لَقَدْ رَأَيْتُ الْكُهَّانَ، فَمَا هُوَ بِزَمْزَمَةِ الْكَاهِنِ وَسِحْرِهِ، فَقَالُوا: نَقُولُ: هُوَ مَجْنُونٌ، فَقَالَ : مَا هُوَ بِمَجْنُونٍ، وَلَقَدْ رَأَيْنَا الْجُنُونَ، وَعَرَفْنَاهُ، فَمَا هُوَ بِخَنْقِهِ، وَلا تَخَالُجِهِ، وَلا وَسْوَسَتِهِ، فَقَالُوا: نَقُولُ: شَاعِرٌ، قَالَ: مَا هُوَ بِشَاعِرٍ، وَلَقَدْ عَرَفْنَا الشِّعْرَ بِرَجَزِهِ وَهَزَجِهِ وَقَرِيضِهِ وَمَقْبُوضِهِ وَمَبْسُوطِهِ، فَمَا هُوَ بِالشِّعْرِ

    فَقَالُوا: فَمَا نَقُولُ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ ؟ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ لَحَلاوَةً ، وَإِنَّ أَصْلَهُ لَمُغْدِقٌ، وَإِنَّ فَرْعَهُ لَجَنًى ، فَمَا أَنْتُمْ بِقَائِلِينَ مِنْ هَذَا شَيْئًا إِلا عُرِفَ أَنَّهُ بَاطِلٌ ، وَإِنَّ أَقْرَبَ الْقَوْلِ أَنْ تَقُولُوا : سَاحِرٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ ، وَبَيْنَ أَبِيهِ ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ ، وَبَيْنَ أَخِيهِ وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَبَيْنَ زَوْجِهِ ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَبَيْنَ عَشِيرَتِهِ ، فَتُفَرِّقُوا عَنْهُ بِذَلِكَ 

    وأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا سورة المدثر آية 11 ، إِلَى قَوْلِهِ : سَأُصْلِيهِ سَقَرَ آية 26

    وهذه الآيات الكريمة ليست خاصة بوليد بن المغيرة فقط، ولكن لكل من أعطاه الله تعالى نعمة، ثم استخدم هذه النعمة في معصية الله تعالى،:

    الفتاة التى أعطاها الله تعالى الجمال، وتستخدم جمالها في معصية الله تعالى

    الشاب الذي أعطاه الله تعالى الصحة والقوة ثم يستخدم صحته وقوته في معصية الله تعالى

    والذي أعطاه الله السلطة ثم يستخدم هذه السلطة في معصية الله تعالى

    والذي أعطاه الله تعالى المال ثم يستخدم هذا المال في معصية الله تعالى

    الحقيقة أن هذه الآيات التى نقرأها وينصرف ذهننا دائمًا ونحن نقرأها الى "الوليد بن المغيرة" هذه الآيات تمسنا جميعًا لأن أي معصية تكون بنعمة أنعمها الله تعالى علينا

    ومن قلة حياء صاحب المعصية، أنه يعصى الله تعالى بنعمة الله تعالى

  • Facebook Twitter Google+


© Copyright 2015 Algazaly association powered by TD.COM.EG